زيارة ملكية: تحويل فكرة إلى واقع

آخر تحديث : السبت 23 فبراير 2019 - 10:26 مساءً
توماس رايلي - السفير البريطاني في المغرب

“نعتقد أن زيارة صاحبي السمو الملكي دوق ساسكس الأمير هاري وعقيلته ميغان دوقة ساسكس إلى المغرب يمكن أن تتم في أواخر شهر فبراير”.

جملة يسهُل النطقُ بها. وحلمٌ يستعصي تحويله إلى واقع. فعادة ما تحتاج الزيارة الملكية إلى أربعة أشهر على الأقل من التخطيط المسهب والدقيق، وتبادل الأحاديث والمناقشات. لكن هذه المرة لم يكن لدينا من الوقت سوى ثلاثة أسابيع.

ومع أننا كنا ندرك منذ اللحظة الأولى التي علمنا بها بفكرة الزيارة الملكية مدى الجهود الشاقة اللازمة للإعداد لها، إلا أننا لم نكن لنتصوَّر ما سينطوي عليه الإعداد لهذه الزيارة من متعة وإثارة في الوقت ذاته. أراني متردِّداً في مقارنة أي زيارة ملكية بفيلم سينمائي، ولكنني سوف أجازف (وهذه ليست أول مرة…) بتعريض نفسي لأن أوصف بالصفاقة، وأقول إنه من الصعب استبعاد أوجه الشبه بين الاثنين.

نعرف بالفعل قصة الفيلم، والآن لدينا الممثلين لإيصال مغزى ما نرمي إليه في رسالتنا. وكل ما ينقص هو إيجاد المواقع اللائقة والمناسبة. وهكذا، وفي غضون 48 ساعة من جدول زيارات مزدحم، اصطحبنا الفريق الزائر من قصر كنزنغتون متنقلين ذهابا وإيابا في جميع أنحاء المغرب بحثا عن مواقع مثالية لتمثيل روايتنا. الواقع أن الأمر أصعب مما قد يبدو – ففي المغرب ثروة هائلة من المواقع يحار المرء في الاختيار من بينها، فهو يزخر بالمناظر الطبيعية الخلابة والبلدات التاريخية: ومع كثرتها كان من المستغرب أننا احترنا على أيٍّ منها يقع الاختيار.

قد تتساءلون “هيا بك، ما الحكاية؟”…

يشهد المغرب حركة تطوير وتحديث سريعة. وبنيته التحتية مثيرة للإعجاب – حيث إن طرقاته وموانئه ومطاراته ترفع رأس أي بلد في العالم تقريباً. وفيه أول قطار فائق السرعة في أفريقيا. وقد شهد ميناء طنجة على البحر الأبيض المتوسط نمواً لا يُضاهى منذ إنشائه قبل عشر سنوات (وقد تمّ مؤخرا توسيع حوضه ثلاثة أضعاف). وتعتبر محطة نور للطاقة الشمسية في الصحراء قرب ورزازات الأكبر من نوعها في العالم. لكن الطموح لا يتوقف عند هذا الحد. فلدى المغرب رؤية استراتيجية للتنمية في القارة الأفريقية وبالاشتراك مع باقي دولها. ومدينة الدار البيضاء المالية صُمِّمَت بشكل يجذب شركات خدمات المال والأعمال ليكون المغرب بمثابة مركزها الأفريقي. وهناك مجموعة المكتب الشريف للفوسفات التي تعكف على تطوير الأسمدة لاستخدامها في المناطق القاحلة والصحراوية في جنوب الصحراء الكبرى.

ولكن المغرب، مثله مثل مقولة “الشخص الذي يعرف ماضيه، يملك زمام مستقبله”، عازم على ألا يكون تحديثه وعصرنته على حساب روابطه بماضيه. وبالتالي فإنه يستعين بعناصر ماضيه هذه كوسيلة لهذا التحديث. فالحصان من صميم التراث المغربي، وفي بعض المناطق مازال البغل يشكل العصب الأساسي للنقل المحلي. لهذا، وفي الوقت الذي يعمل فيه المغرب، وبشكل متزايد، على دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في الحياة اليومية، فإنه يجرب استخدام الحصان كوسيلة لعلاج الأطفال ممن لديهم إعاقة عقلية، والذين يعانون من عللٍ نفسية.

والنساء، وتماماً كما فعلنَ في الماضي، فإنهن يقمن بدور حيوي في المجتمع المغربي الحديث أيضاً. والتركيز على تحسين فرص التعليم الثانوي للفتيات (خاصة في المناطق الريفية)، وتوفير تدريب مهني أفضل للنساء، إنّما هو إدراك بأن تحسين تعليم النساء وإطلاق إمكانات التنمية البشرية لديهن أمر ضروري للنمو الاقتصادي المستدام. ومع أن الطريق مازال طويلاً، فإن هذا التركيز بدأ يؤتي ثماره بوضوح كما يتبيّن من الدور الذي تلعبه النساء المتمكنات بشكل متزايد في المجالات الرياضية والاجتماعية والسياسية والتجارية والثقافية في المغرب الحديث.

أما الحرف اليدوية المغربية فتحظى بشهرة عالمية. فمن منّا لم يشاهد المصابيح المغربية الرائعة، والبابوج والطربوش… والطاجن المغربي أكلة مرادفة للنجاح منقطع النظير للصادرات الغذائية المغربية المعروفة عالمياً وتحظى بشعبية كبيرة، وحيث الطهاة المغاربة يتبوؤون مراكز في بعضٍ من أفضل المطاعم حول العالم. ويعمل المغرب الحديث بعزم على حماية هذه الحرف القديمة وتطويرها، ويشجع في الوقت ذاته النشء الجديد من أبنائه على أن يتحلّوا بقدر أكبر من الريادة والابتكار في صنعها وتسويقها. فتعزيز روح الريادة يُسهم في تنويع وزيادة دينامية وحيوية اقتصاد المغرب الحديث، وبالتالي خلق فرص العمل ورفع مستويات المعيشة فيه.

أكاد أسمعكم تصرخون: “نعم، هذا كله جيد، ولكن أين عقدة الرواية؟”…

أجل. الرواية بسيطة. زيارة هاري وميغان، دوق ودوقة ساسكس، سوف تظهر دعمهما لهذه الأهداف، وهي مماثلة إلى حد كبير لقضايا أثيرة على نفسيهما. حيث سيزوران مشاريع تعليم الفتيات؛ ويقابلان نساء مغربيات متمكنات؛ ويدخلان متاجر حرف يدوية يتدرب فيها رجال ونساء على ممارسة المهارات الحرفية التقليدية. وسيطبخان مع الشيف موحا – وهو من أبرز الطهاة في المغرب (الذي اشترك في الطهي في منزلي الرسمي إلى جانب آدم بايات، أحد الطهاة العديدين الحائزين على نجمة ميشلين في المملكة المتحدة). كما سيلتقيان بالرياضيين ذوي الاحتياجات الخاصة في المغرب؛ وسوف يشاركان في فصول العلاج باستخدم الخيول. وسيقابلان أيضا أشخاصا يعانون من مشاكل نفسية يستفيدون من الوعي المتزايد للمغرب بأهمية معالجة الصحة العقلية بالشكل المناسب. وسوف يجلسان مع رواد اجتماعيين شباب حيويين. وسيخوضان في نقاش حول السياحة المستدامة. وسيسألان عن كيفية إدارة الوكالة المغربية للطاقة المستدامة (مازن) لمحطة نور للطاقة الشمسية.

هنا ستقولون: “هذا جيد، وماذا بعد؟ ما هو المغزى؟”.

حسناً، المغزى بكل بساطة هو أننا نحث المغرب على مواصلة مسيرته بخطى ثابتة: المملكة المتحدة ستصحبكم بوصفها شريكاً للمغرب في هذه الرحلة. سوف ننسق معكم في المغرب لنسلط الضوء على نجاحكم، ونبقى إلى جانبكم بينما تواصلون السير على طريق رحلة التجديد المثيرة هذه.

“هذا جيّد. ولكن ما هي المواقع التي اخترتموها؟”

حسناً، كان من المفروض أن يبقى هذا سراً طيَّ الكتمان الشديد. وقد كنت أتطلع إلى إفشاء السر بنفسي، ولكن الصحفيين سبقوني. سنزور قرية أسني على سفوح جبال أطلس من ورائها المكسوة قممها بالثلوج المدهشة (عندما وصلنا إلى هناك الأسبوع الماضي، كانت قمم الجبال عارية من الثلوج بشكل يبعث على القلق في هذا الوقت من السنة. ولكن لحسن الحظ تساقطت الثلوج في وقت سابق من هذا الأسبوع، فعوّضت ما نقص منه، وعندما تذوب الثلوج تنساب المياه إلى الحقول الزراعية في المنطقة المحيطة، وهذا حيوي جدا بالنسبة للاقتصاد المغربي). وسوف نزور فندق فيلا السفراء المدهش بزخارفه في الرباط (حيث أقمت مع عائلتي في ليلتنا الأولى في المغرب) وهو نموذج رائع لفن العمارة المغربي الذي ترنو إليه النفوس. وسنزور أيضاً مركز الخيول المغربية الجميل على مشارف الرباط، حيث تتعانق أشجار الصنوبر والفلين مع أشجار الكافور لتوفير الظل في قيظ شمس الظهيرة. وسوف نسير في الحديقة الأندلسية في حصن قصبة الأوداية التاريخية الخلابة، حيث يتمتع المرء بفيئها وبانسياب المياه من نوافيرها.

“وبعد أن يغادرا؟ ماذا يحصل بعد؟”

حسنًا، أعتقد أن الجميع سيشعرون بخيبة أمل كبيرة في أعقاب كل ما أحاط بهذه الزيارة الملكية من إثارة. إننا نتطلع إلى هذه الزيارة بشوق بالغ، آملين أن يستمتع بها دوق ودوقة ساسكس بقدر ما استمتعنا نحن بإعدادها لهما. وكلي أمل أن يجداها مفيدة ومصدر تثقيف وتنوير – فالمغرب لديه الكثير مما يقدمه للمملكة المتحدة.

ولكن، وعلاوة على هذا كله، آمل أن تفتح هذه الزيارة آفاقاً جديدة ومجالات محتملة للتعاون والشراكة بين بلدينا. وآمل أن يعود هاري وميغان في زيارة أخرى (وثالثة) إلى هذا البلد الجميل الذي أشعر بأن لي عظيم الشرف أن أخدم بلدي منه بصفتي السفير البريطاني.

*توماس رايلي – السفير البريطاني في المغرب

2019-02-23

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

عذراً التعليقات مغلقة

بريف أنفو