العدالة المدرسية أولا.. قبل اللغة

مصطفى أزوكاح

“لا يمكن اختزال إصلاح منظومة التربية في اللغة”. هذا ما كان يؤكده صديقي، الذي خبر، شؤون التعليم في المغرب والعالم، فهو يعتبر أن مشكلة التعليم يجب أن تطرح من منظور “العدالة المدرسية “، الشرط الذي لا محيد عنه، لتحقيق نوع من التناغم الاجتماعي في المغرب..

هذا المغربي، الذي انتدبته مؤسسات دولية لتشخيص وضعية التعليم في دول بالشرق الأوسط، والذي أنجز دراسات علمية دقيقة حول التعليم بالمغرب، كان يؤكد كلما قادنا الحديث إلي التعليم بالمغرب، على أن فشل المنظومةا لتربوية لا يمكن أن يعلق على مشجب اللغة، بل له صلة بالعدالة المدرسية التي يوجد الفصل الدراسي في قلبها ابتداءا من رياض الأطفال إلى التعليم العالي.

يتصور أن العدالة المدرسية لها علاقة بالعرض المدرسي الذي تقدمه الدولة و الذي يرمي إلى خدمة هدف الانسجام الاجتماعي، ومدى قدرتها على نوع من السخاء في الإنفاق أو حسن استعمال الموارد المتوفرة.

يعيد التذكير بالاختلالات التي شابت المنظومة التربوية التي كان من تجلياته فشل المخطط الاستعجالي الذي اعتمد بعد تقرير 2008 الذي دق ناقوس الخطر حول وضعية منظومة التربية.وضعية كانت قد أكدتها الأبحاث التي أنجزتها الهيئة الوطنية للتقييم، حيث لم يتجاوز متوسط التمدرس بالنسبة للساكنة البالغة 15 عاما و أكثر خمس سنوات، علما أن المعدل العالمي يصل إلى 7 سنوات.

ذلك مؤشر واحد من بين ثقوب تراكمت في المنظومة التربوية.. من قصور في توفير العرض التربوي وارتفاع عدد التلاميذ بالنسبة لكل مدرس، ما يجعل العملية التعليمية صعبة، و تراجع وهم التفوق في اللغات و المواد العلمية الدراسات تكشف عن عدم توفير السلطات العمومية لما يكفي من المدارس التي تستجيب للطلب و عدم الانكباب على وضعية المدرسين الفاقدين في البوصلة نتيجة تراجع وضعهم الاعتباري و الاستعانة بمعلمي “سد الخصاص” الذي يتلقون أجرا هزيلا.

وما يثير الانتباه هو تلك التقديرات الرسمية التي تشير إلى مستوى الهدر المدرسي. فعدد المنقطعين عن الدراسة سنويا وصل إلى المغرب إلى 350 ألف، بل إن هناك تقديرات تؤكد أن الذين غادروا النظام التعليمي في العقدين الأخيرين وصل إلى أكثر من 9 ملايين دون أن يعرف المسار الذي اتخذوه بعد ذلك.

يفترض هذا الخبير أنه يجب النظر إلى التعليم من زاوية العدالة المدرسية. وعندما يعود إلى الزمن الذي كان فيه النظام التربوي يتيح للمغاربة المنحدرين أوساط فقيرة و المناطق البعيدة نوعا من الاندماج الاجتماعي، يؤكد أن ذلك الزمن ولى. فرغم الإصلاحات التي أطلقت و الاعتمادات المالية التي عبأت مازال الفشل ينخر النظام التربوي ويدعم الفوارق الاجتماعية و الجهوية.

هذا ما يشدد عليه خبراء يرون أن التوزيع غير المتساوي للتربية يفضي إلى إقصاء الفئات المنحدرة من أوساط متواضعة. ورغم جميع الجهود التي بذلت من قبل السلطات العمومية فالبكاد انتقل متوسط مدة التمدرس من 0.28 في 1950إلى 5 سنوات حاليا.

ذلك مستوى من أضعف المستويات في العام، علما تحقيق معدل بين 5 و 7 سنوات يستغرق أكثر من عقدين من الزمن. من المصادر التي تحدثنا معها حول مدخل الإصلاح من يلح على أنه لا يمكن بلورته تحت ضغط الآني و المستعجل، بل لا بد من مواجهة الحقيقة و الاقرار بأن حجم المشاكل المتراكمة و الحلول التي يمكن أن يؤتى بها لا يمكن أن يتحقق في ظرف زمني قصير.

هكذا يتصور صديقي أن المدخل الذي يتضمن ضمانات الخلاص يتمثل في جعل العدالة المدرسية في قلب الإصلاح. هذا يستدعي استحضار حجم الهدر المدرسي في المغرب، و السعي إلى إطالة أمل الحياة المدرسية للأطفال عوض التركيز فقط على الولوج المعمم للمدرسة، لكن قبل هذا وذاك، يفترض إعادة النظر في نظام التوجيه بالشروع بموارده البشرية.

ففي المغرب يتوفر موجه واحد لكل 3000 تلميذ. ففي العقد الأخير، فقط ثلاثة تلاميذ من بين مائة تلميذ ولوج التعليم الابتدائي تمكنوا من الحصول على الباكالوريا دون أن يرسبوا في أحد الأقسام، بل إن الذين يلتحقون بالجامعة لا يستطيعون مواصلة مسارهم الدراسي.

و يتجلى من هذا المنظورمركزية العدالة المدرسية التي يتوجب أن تبدأ من الفصل الدراسي. تلك عدالة يمكن أن تساهم، حسب هذا التصور، في تثبيت دعائم التناغم الاجتماعي، الذي تنال منه الفوارق بين الجهات وداخل المدينة نفسها. ففي الرباط مثلا يتعايش نظامان تعليميان يحيلان على اليمن و اليابان… في إشارة إلى حي المنصور وحي أكدال.

يلح صديقي على ضرورة رفع معدل مدة التمدرس والأمل في الحياة المدرسية للأطفال الذي يبلون 6 سنوت من العمر من 10 إلى 14 عاما و الاحتفاظ بالساكنة المتمدرسة مدة أطول في المدارس و تنويع العرض التربوي و تمديد إجبارية التمدرس، و تحديد المناطق التي تتيح رفع معدل التمدرس وتقليص الفوارق في التربية.. و السعي إلى حل المشاكل المتمثلة في الهدر و التكرار والانقطاع عن الدراسة التي تنال من فرص انبثاق المغرب.

ملحوظة: باحثون مغاربة أنجزوا قبل خمسة أعوام تقريبا دراسة نشرت في مجلة فرنسية متخصصة، حيث اهتموا بمؤشر التنمية البشرية على الصعيد الجهوي بالمغرب.. إذ يتجلى أن جهة تازة الحسيمة تاونات، قبل التقسيم الجهوي الأخير،سجلت تأخرا صارخا في جميع مكونات ذلك المؤشر مقارنة بالدار البيضاء، فالفارق وصل على مستوى الأمل في الحياة عند الولادة إلى 21 عاما و بلغ بالنسبة لمتوسط سنوات التمدرس 41 عاما، و وصل إلى 17 على مستوى الأمل في الحياة الدراسية و اتسع عند النظر إلى الدخل إلى 47 عاما..

العدالة المدرسية لا تقبل التدابير القائمة على الانتقاء، كما العدالة الجبائية التي لا تتحقق في البلد رغم توصيات المناظرات الوطنية..

2018-09-07 2018-09-07

عذراً التعليقات مغلقة

عذراً التعليقات مغلقة

بريف أنفو