الصحافيون و شبكات التواصل الاجتماعي

ديفيد فون دريل

تناولت ورقة بحثية مثيرة للاهتمام، نشرت في عدد الشتاء من دورية «ستراتيجيك ستديز كوترلي» ـ الدورية الاستراتيجية الصادرة عن القوات الجوية الأميركية ـ كيف يعمد مروجو الحملات الدعائية إلى استغلال شبكات التواصل الاجتماعي في حروبهم السيبرية ضد الولايات المتحدة. وأشارت الورقة إلى أن ثمة قوى معادية تعمد إلى استثارة تحيزات معينة لدى الأميركيين الذين لا يدرون بما يحاك من حولهم، من أجل المعاونة على الترويج لأكاذيب تؤجج الانقسامات وتثبط المعنويات.

أما كيفية التصدي لمثل هذه الجهود في إطار مجتمع حر يقوم على الاتصالات المفتوحة، فيشكل التحدي الأكثر إلحاحاً أمامنا على صعيد الأمن الوطني. ويأتي قرار الاتهام الصادر عن المحقق الخاص روبرت إس. مولر، الجمعة الماضي، بخصوص عملية تضليل معلوماتي روسية باعتباره مؤشراً جيداً على أننا اقتحمنا ميدان القتال أخيراً. إلا أننا حتى هذه اللحظة نمثل الطرف الخاسر فيها. وإذا استمر هذا الحال، فإن الغلبة في المستقبل ستكون من نصيب الدول الاستبدادية التي تحمي حدودها الافتراضية من خلال السيطرة على مسألة الولوج إلى شبكة الإنترنت.

وفي إطار الورقة البحثية التي نشرها بعنوان «التوجه السائد: شبكات التواصل الاجتماعي في إطار حرب المعلومات»، يتفحص لفتنانت كولونيل جاريد برير الاستراتيجيات والتكتيكات التي استخدمها «داعش» والحكومة الروسية للسيطرة على القضايا التي تشكل محط الاهتمام الأكبر عبر «تويتر»، وبدرجة أقل «فيسبوك». ومن خلال اختطاف مثل هذه الأنظمة الخوارزمية التي يعتمد عليها الموقعان، تمكن الأعداء وعملاؤهم من تأجيج التوترات وتقويض مشاعر الثقة عبر جنبات المجتمع الأميركي.

وأوضح برير أن ثمة نموذجاً لافتاً على هذا الأمر حدث خلال مظاهرات نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 داخل جامعة ميسوري، ذلك أن خلافاً حول مكافآت معاوني هيئة التدريس تفاقم وتحول إلى مزاعم حول وقوع أعمال تمييز عنصري واسعة النطاق داخل الحرم الجامعي. وعبر هاشتاغ «صلوا من أجل ميسوري»، نشر حساب على صلة بروسيا حمل اسم «فافنفان 1911» صورة لشاب أميركي من أصول أفريقية مصاب بكدمات وجراح مقتطعة من خبر صحافي لا علاقة له بالموضوع، وكتب صاحب الحساب تعليقاً على الصورة: «رجال شرطة يشاركون في مسيرة لجماعة (كلو كلوكس كلان). لقد ضربوا شقيقي الأصغر! احذروا!» وجرت إعادة نشر هذه الرسالة الكاذبة التي حملت توقيع اسم جيرمين مئات المرات من جانب عملاء روس، الأمر الذي كان كافياً لنشرها كالعدوى في أوساط أميركيين مخدوعين، بينهم رئيس اتحاد طلاب ميسوري.

ومع إضافة حسابات أخرى على صلة بـ«فانفان 1911» تفاصيل أخرى كاذبة للقصة المختلقة، طالب جيرمين وسائل الإعلام بتغطية الاعتداء الوهمي الذي شنته جماعة «كلو كلوكس كلان». وبالفعل، سعى المراسلون الصحافيون المهووسون بـ«تويتر» وراء القصة الوهمية لتغطيتها.

ورغم أن الحقيقة جرى كشف النقاب عنها نهاية الأمر، إلا أن ثمة ضرراً لا براء منه كان قد وقع بالفعل، فقد تراجعت الروح المعنوية داخل الجامعة، وتضاءلت الثقة بوسائل الإعلام والشرطة. وتعرضت سمعة اقتصاد ميسوري بأكملها لصفعة مؤلمة.

في الواقع، تلك نتيجة لا بأس بها لنوبة عمل واحدة في مصنع المعلومات المضللة!

وظل برير يتتبع جيرمين، الذي تحول اسمه إلى «فان فان»، وبدأ في نشر شائعات كاذبة حول اغتصاب لاجئين مسلمين لنساء ألمانيات في ربيع 2016. بعد ذلك، تحول اسم صاحب الحساب من جديد إلى «دبلورابل لوسي»، وبدأ في إظهار التأييد لحملة دونالد ترمب الانتخابية. وفي كل صورة يتحول إليها صاحب الحساب، يعمد إلى استغلال الأدوات ذاتها: قصص مشوهة أو مختلقة، وفيالق من «بوت الإنترنت»، وشبكات قائمة من أشخاص لا يعلمون حقيقة ما يجري حولهم، لكن لديهم استعداداً لتصديق الأسوأ، ومزاعم حول فساد النخبة والاعتماد على الهاشتاغات.

من جانبه، ذكر مدير الاستخبارات الوطنية، دانييل كوتس، أمام الكونغرس، الأسبوع الماضي، أن مثل هذه الجهود ترمي «إلى تأجيج الانقسامات الاجتماعية والسياسية داخل الولايات المتحدة»، و«غرس بذور الشقاق التي تقلص الثقة في العمليات الديمقراطية» و«تشجيع وجهات النظر السياسية المناهضة للولايات المتحدة».

الواضح أن هذه الجهود تحقق نجاحاً بالفعل، الأمر الذي يجعل منها تحدياً خطيراً لأمننا الوطني. وليس بإمكاننا التصدي للتهديدات أو المنافسة التي نواجهها من الصين أو كوريا الشمالية أو روسيا أو المتطرفين الإسلامويين الذين يسلكون العنف من دون ضمان وحدة صف الجبهة الداخلية ودعم الحلفاء بالخارج. من ناحيته، اختتم برير البحث الذي نشره بتوجيهه الدعوة إلى شركات شبكات التواصل الاجتماعي والقيادات السياسية والصحافيين لتقديم العون إلى الولايات المتحدة في وجه هذا التحدي. وأعرب عن اعتقاده بأن «تويتر» نفسه يواجه معضلة خاصة لأن شبكات «بوت الإنترنت» والهاشتاغات ـ سلاحان أساسيان في ترسانة العدو ـ تشكلان عنصراً محورياً في النموذج الذي يعتمد عليه الموقع.

على الجانب الآخر، لا أرى ما يحول دون تحرك الصحافيين من فورهم نحو وقف «الاعتماد المفرط على شبكات التواصل الاجتماعي للحصول على أخبار عاجلة»، حسب وصف برير. وشدد برير على أنه يتعين على المراسلين التعامل مع كل «تغريدة» بتشكك والسعي للحصول على تأكيد لها من أرض الواقع قبل الإقدام على نشرها.

أما ما نحتاجه من القيادات السياسية، فالاضطلاع بدور قيادي في إثارة قضية الدفاع السيبري، وتغليب هذه الحاجة الملحة على أي اعتبارات حزبية. وعلينا أن نتذكر جميعاً أن التحقيق الجاري حول صلة ترمب بروسيا لا يحمل أهمية كبيرة، مقارنة بالعمل على استمرارية المجتمعات المفتوحة. ويتحمل هذا الجيل من أبناء الغرب ـ كل امرأة ورجل وطفل ـ مسؤولية إثبات أن الانضباط الذاتي قادر على التغلب على تحديات الثورة الرقمية. ويتعين علينا تثقيف أنفسنا بخصوص استخدامات وصور إساءة استخدام أدواتنا الشخصية المرتبطة بالتواصل الجماعي، وكيفية استغلال هذه الأدوات دون تأجيج الانقسامات الاجتماعية.

إننا نقف في مواجهة اختبار عصيب، ذلك أنه من موسكو إلى طهران، ومن هافانا إلى بكين، بدأت السلطات بالفعل في اتخاذ خطوات نحو الاتجاه المقابل بهدف حماية حكمها بالسيطرة على استخدام الأجهزة الرقمية. وسيحدث الأمر ذاته حتماً في الغرب، إذا أخفقنا في السيطرة على أنفسنا.

المصدر - ترجمة الشرق الأوسط
2018-02-22 2018-02-21

عذراً التعليقات مغلقة

عذراً التعليقات مغلقة

بريف أنفو