شجرة لوز في دبي

سمير عطا الله

كان نيلسون مانديلا صديقي. وكان كذلك على طريقة الشعراء الذين يقولون يا صديقتي النخلة ويا صديقتي شجرة اللوز في أول الربيع، ويا صديقتي نجمة الصبح في الليالي الواسعة القمر. وكان نيلسون صديقي يوم كان في السجن نموذج المطالب بالحرية، ويوم خرج من السجن وأثبت كم هو خليق بها.

ولي في الحقيقة مجموعة من الأصدقاء مثل شجر اللوز المزهر في أول الربيع. منهم غاندي الذي كان يشبه عصفوراً جائعاً ومشرداً. ومنهم نهرو الذي أسس شيئاً أسطورياً اسمه دولة الهند. ومنهم مارتن لوثر كنغ الذي أكمل مهمة أبراهام لنكولن في تحرير عبيد أميركا، ومهد الطريق لمانديلا. ومن أصدقائي عهد التميمي التي تخشى إسرائيل أن تحاكمها علناً، لكي لا تخرج إلى العالم صورة مانديلا آخر.

سمى الدكتور محمد الرميحي القمة الحكومية في دبي «أكاديمية محمد بن راشد». وكان في المؤتمر هذا العام أربعة آلاف ضيف من أنحاء العالم. ولست أعرف كيف تنظم دبي مؤتمراتها، وكيف تنتقي ضيوفها. ربما كمثل ما تنظم حياتها.

حرصت على قراءة معظم المناقشات والكلمات والمداخلات التي جرت في المؤتمر. وليس من الممكن الإحاطة بها جميعاً، لكن من الضيوف الأجانب أعتقد أن «أهم» كلام كان للعالم السياسي الأميركي فرنسيس فوكوياما ورؤيته للتحول في مراتب ومواقع الأمم، مستخلصاً أن الصين سوف تحل مكان أميركا في المرتبة الاقتصادية الأولى خلال ثلاث سنين.

أما «أجمل» كلمة فكانت تلك التي ألقتها الصديقة العذبة غراتشا ماتشيل، أرملة العم الطيب العِطر والذكر نيلسون مانديلا. قالت: كانت أهمية مانديلا في مدى إدراكه بالشعور بالكرامة لدى كل فرد. وكانت له القدرة على فهم وتقدير ما يصبو إليه الآخرون. فأنت لا تستطيع أن تبني جسور المحبة مع الآخرين إذا لم تدرك أن ثمة حقاً في الجانب الآخر أيضا.

وسئلت السيدة مانديلا ما هو الأهم في إرث زوجها فقالت: «في زمن النزاعات ننسى دائماً أن هناك روحاً بشرية على الجانب الآخر. هذا الإدراك جعل مانديلا يتعالى فوق الخلافات الاجتماعية والسياسية والقبلية في جنوب أفريقيا. وفي زمننا الحاضر حيث تقسم الحروب العالم، يجب أن نتعلم منه الالتزام بالتمييز بين الفرد والقضية».

«الذين يغذون النزاعات أكثر خطورة من الذين يشعلونها. علينا أن نوسع آفاقنا ونعمّق النظرة إلى ما حولنا. ما من بشري فئة ثانية. نحن جميعاً بشر وكلنا متساوون». هكذا تكلمت الصديقة العزيزة، غراتشا، شجرة اللوز في أول الربيع. ثمة دائماً أصوات جميلة تذكر البشر بالإنسان. ففيما يقول المحللون إن سوريا سوف تكون أفغانستان ثانية، ويقول آخرون، صومالا آخر، تجلس هذه السيدة في ظل شجرة لوز وتنشد للربيع.

المصدر - عن الشرق الأوسط
2018-02-20 2018-02-20

عذراً التعليقات مغلقة

عذراً التعليقات مغلقة

بريف أنفو