إعادة إحياء الموصل

أودري أزولاي

قطع العالم على نفسه تعهداً عظيماً الأسبوع الماضي بإعادة إعمار العراق، بعدما ألحق الهزيمة بتنظيم داعش مؤخراً. فخلال «مؤتمر الكويت الدولي لإعادة إعمار العراق»، ثمّن الحاضرون شجاعة الشعب العراقي وجَلده في تحمل المعاناة، متعهداً بإعادة بناء البنية التحتية من أجل أن تستعيد البلاد رخاءها مرة أخرى.

تعد مدينة الموصل رمزاً حياً على الهوية التعددية للبلاد، بعد أن ظلت ملتقى ثقافات الشرق الأوسط لقرون طويلة. فمن المدن السومرية إلى بابل، ومن سور نينوى إلى طريق الحديد، باتت المنطقة بوتقة انصهر فيها البشر على اختلاف مشاربهم وأفكارهم. بيد أنه خلال السنوات الثلاث الماضية، طغت قصة الكراهية والعنف على قصة السلام، وتلاشت روح الموصل الأصيلة.

فقد شدد المؤتمر على أهمية وضع البعد الإنساني في مقدمة جهودنا لضمان استمرار جهود إعادة الإعمار. وبناءً عليه، أطلقنا مبادرة «إحياء روح الموصل» بهدف إعادة بناء المدينة القديمة، سواء بنيتها التحتية الفعلية أو استعاده كرامة شعبها. فعندما تُشن الحرب على الثقافة والتعليم، يجب أن تنصبّ الجهود على الثقافة والتعليم، وهنا يكمن الحل طويل الأمد في مواجهة التطرف.

جاء تدمير مكتبة جامعة الموصل، وتفجير منارة الهضبة، ونهب ضريح النبي يونس الذي يرمز إلى التعايش الديني بين ثلاث ديانات كتابية، لتشكل صدمة كبيرة للعالم، ناهيك بحرق المكتبات، وصمت الموسيقى، والاعتداء على الفنانين، وإغلاق المتنزهات.

لقد تعلم آلاف الأطفال الحرب ولُقنوا مبادئ عقيدة فاسدة. ولم يتلقَّ الأطفال أيَّ تعليم يستندون إليه لبناء المستقبل. ولكي لا يكون لدينا جيل ضائع، علينا أن نعلّم هؤلاء الناس معنى السلام، لكن من المهم أيضاً أن ندعم ثقافة السلام داخلهم، تلك الثقافة الثرية المتأصلة في جذور التاريخ العراقي.

إن إحياء مدينة الموصل القديمة هو حجر الأساس الذي تستند إليه مبادرتنا التي يدعمها سكرتير عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ورئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي. تعني هذا المبادرة إعادة إعمار الصروح المعمارية التي يمكن أن يلتفّ العراقيون حولها من جديد. فالعديد من الممثلين الدوليين مثل الاتحاد الأوروبي ودول الجوار والمنظمات الدولية، جميعهم عبروا عن تطلعهم غير المحدود إلى المساهمة في تلك الجهود التي ستتولى «اليونيسكو» التنسيق بشأنها.

وسوف تقدم «اليونيسكو» خبراتها بهدف تقدير الخسائر لإعادة إعمار وبناء المواقع الأثرية والتاريخية في تلك المدينة التاريخية. وسنعمل يداً بيد مع أهل المدينة لإعادة بناء محال بيع الكتب والمراكز الثقافية والمتاحف، وأهمها متحف الموصل الذي تعرض للنهب. سنعمل كذلك على توفير الفرص للتدريب الفني والحرفي، تحديداً تكنيك المباني التاريخية من أجل توفير العمال والفنيين المهرة، الذين سيحتاج إليهم العراق لإعادة الإعمار.

لقد ساهمت الحضارة العظيمة في هذه المنطقة من العالم في تحديد المسار والخطى الإنسانية، من خلال حوار إنساني استمر قرابة الألف عام، والذي كان من ثماره اختراع العجلة والكتابة والحساب والقانون لأول مرة. ولذلك سنعمل مع شركائنا العراقيين لكي نجعل الأجيال القادمة تفتخر بما حققه أجدادهم، وذلك من خلال المناهج الدراسية التي نعكف على تطويرها، والتي تشمل مقررات دراسية جديدة بهدف إحياء الإبداع والفكر النقدي ومبادئ وقيم الاحترام المتبادل. وهذا هو السبيل الوحيد لضمان عدم ظهور التعصب مرة أخرى.

ستكون مبادرة «إحياء روح الموصل» مساهمة «اليونيسكو» في برنامج الأمم المتحدة الذي يهدف إلى مساعدة الحكومة العراقية في تطوير الأبعاد الاجتماعية لتواكب إعادة البناء. وفي نهاية العام الحالي، سننظم مؤتمراً دولياً بمقر «اليونيسكو» بالتعاون مع الحكومة العراقية وجميع شركائنا، لوضع تصور لجهود إعادة الإعمار. ومن خلال الثقافة والتعليم، سنتمكن من استعادة الثقة وخلق المناخ لمستقبل مشترك. ستستغرق عملية إعادة التعمير بعض الوقت، لكن إن وضعنا حجراً فوق حجر، وتعلمنا درساً بعد درس، سنتمكن معاً من إحياء روح الموصل الحقيقية.

* المديرة العامة لـ«اليونيسكو»

المصدر - عن الشرق الأوسط
2018-02-17 2018-02-17

عذراً التعليقات مغلقة

عذراً التعليقات مغلقة

بريف أنفو