هل تنتصر الفاشية على الثورة..؟

علاء الأسواني

اذا كان جيش بلادك يخوض الحرب ضد الأعداء فيجب عليك أن تؤيده ولكن اذا وقعت في يدك وثائق تؤكد أن رئيس الجمهورية قد أرسل الجيش إلى الحرب وهو يعلم أنه مهزوم حتما، هل تكشف عن هذه الوثيقة للرأى العام؟. هذا موضوع فيلم THE POST للمخرج الأميركي ستيفن سبيلبيرغ وهو يحكي عن واقعة حقيقية حدثت عام 1972، أثناء حرب فيتنام، عندما نشرت صحيفة نيويورك تايمز وثائق سرية تؤكد ان الرؤساء الأميركيين كانوا يرسلون المزيد من الجنود الأميركيين إلى فيتنام وهم يعلمون انهم لن ينتصروا أبدا.

الرئيس ريتشارد نيكسون استصدر حكما قضائيا ضد نيويورك تايمز بمنع نشر الوثائق فقامت صحيفة واشنطن بوست بنشر الوثائق مرة أخرى، وعندما رفع نيكسون قضية ضدها قامت كل الصحف الأميركية الكبرى  بنشر الوثائق ذاتها تضامنا مع واشنطن بوست، واحتدم الصراع حتى حسمته المحكمة الدستورية العليا عندما انتصرت لحرية الصحافة وسمحت بنشر الوثائق تأكيدا لحق المواطن الأميركي في معرفة الحقيقة.

شاهدت الفيلم في نيويورك وسط حماس غامر من المشاهدين الأميركيين الذين اعتبروا الفيلم ردا على محاولات الرئيس الحالي ترامب لتقييد الصحافة واخضاعها لمشيئته. بعد أن شاهدت الفيلم تساءلت هل يمكن أن تحدث واقعة كهذه في مصر؟ بالطبع يستحيل نشر مثل هذه الوثائق في مصر لأن السيسي قضى على حرية التعبير تماما، فقد صارت وسائل الاعلام كلها تحت ادارة ضباط الأمن لكن السؤال الأهم: هل يتقبل المواطن المصري الآن نشر وثائق تدين رئيس الجمهورية أو قادة الجيش.

أعتقد ان قطاعا كبيرا من المصريين سيرفضون مجرد قراءة هذه الوثائق وسيشككون في مصدرها  بل انهم سيتهمون من ينشرها بالعمالة والخيانة. ان فكرة محاسبة الرئيس ليست واضحة في أذهان مصريين كثيرين لازالوا يعتبرون الرئيس والدا للشعب ورمزا للأمة وليس موظفا عاما قابلا للمحاسبة، ان اقتناعنا نحن المصريين الآن بأي موضوع صار مطلقا لا توجد فيه أي مساحة للاختلاف، بل اننا من أجل الحفاظ على اقتناعنا المطلق صرنا كثيرا ما ننكر أشياء واضحة كالشمس ونتعامل بعدوانية مع من يختلف معنا. جرب أن تكتب مقالا على فيسبوك تطالب فيه بمحاكمة ضابط شرطة قام بتعذيب مواطن حتى الموت. ستنهمر عليك تعليقات القراء التالية:

– لماذا تشتم الشرطة..؟ ألا يستشهد رجال الشرطة يوميا على أيدي الارهابيين من أجل الدفاع عن أمنك وسلامة أسرتك..؟

سترد قائلا إنك لا تشتم الشرطة أبدا وأنك تحترم شهداء الشرطة لكنك تطالب بمحاكمة ضابط مجرم عذب انسانا حتى قتله. عندئذ ستنهال عليك اتهامات بالعمالة والخيانة لأنك تريد أن تهدم الشرطة حتى تسقط مصر في الفوضى. أما اذا تحدثت عن المذابح المسؤول عنها المجلس العسكري مثل محمد محمود ومجلس الوزراء وماسبيرو فان معظم القراء سيتجاهلون تماما مسؤولية المجلس العسكري وسوف يسألونك:

– لماذا تكره جيش بلادك إلى هذا الحد..؟ لمصلحة من تريد هدم الدولة..؟ ..هل تريدنا نحن المصريين أن نلقى مصير سوريا والعراق؟

أي نقد لسياسات السيسي يعتبره الاعلام المصري الآن “تطاولا على مصر”..

هناك حالة من الهيستيريا السياسية تنتشر الآن في مصر مصحوبة بنمط أحادي للتفكير دعا إليه السيسي نفسه عندما نصح المصريين بأن يسمعوا كلامه فقط دون أي شخص آخر.. لم يعد ممكنا في مصر أن تؤكد احترامك للجيش ومع ذلك تطالب بمحاسبة بعض أفراد الجيش المسؤولين عن انتهاكات أو جرائم. لم يعد ممكنا أن توجه نقدا لسياسات السيسي بغير أن تُتهم بالخيانة. لقد انتقلت عدوى الفاشية من النظام إلى قطاع عريض من المصريين. الفاشية مذهب سياسي وفكرى يستمد اسمه من كلمة “فاشيو” الايطالية وهي حلقة معدنية كان الامبراطور الروماني يجمع فيها مفاتيح ترمز لسلطته المطلقة.

الانسان الفاشي يؤمن انه يمتلك الحقيقة وحده ويؤمن بحقه في فرض أفكاره بالقوة على الآخرين. على مدى عقود ظلت مصر محصورة بين الفاشية الدينية ممثلة في الاخوان المسلمين والفاشية العسكرية التى تحكم مصر منذ عام 952 . الاخوان يعتبرون كل من يرفض حكمهم عدوا للاسلام والنظام العسكري يعتبر كل من يعارضه عدوا للوطن. النظام الفاشي يغرس في عقول الناس حقيقة واحدة عن طريق اعلام يتحكم فيه تماما ونظام تعليمي يلقنك ما يعتبره حقائق ويحاسبك بشدة اذا خالفت المنهج المقرر. التفكير الفاشي يؤدى إلى إشاعة الكراهية والتعصب والطائفية وتعطيل عقول ملايين البشر الذين يتحولون إلى آلات تردد الرسالة التي يتلقونها من الاعلام فينعدم التفكير الموضوعي النقدى الذي هو أساس أي نهضة. حكم الديكتاتور ينتهي حتما إلى كارثة كبرى يدفع ثمنها الشعب. متى تتخلص مصر من الفاشية؟.

في وسط القوتين الفاشيتين ( الاخوان والنظام ) نشأت فيما يشبه المعجزة ثورة يناير.  ملايين المصريين الذين يمتلكون الوعي الصحيح وشجاعة النضال والاستعداد الكامل لدفع ثمن التغيير. هؤلاء الثوريون هم أنبل من أنجبت مصر وقد تواطأ ضدهم الفاشيون منذ اللحظة الأولى: استعمل المجلس العسكري الاخوان من أجل اجهاض الثورة وخان الاخوان الثورة مقابل توليهم السلطة. صراع النظام الحالي مع الثورة حول المبادئ بينما صراعه مع الاخوان على السلطة. الصراع الحقيقي على مستقبل مصر بين الثورة والفاشية بجناحيها فمن سينتصر..؟.

التاريخ يؤكد ان الثورات، مهما حوربت وتعطلت، تنتصر دائما على الفاشية.

الديمقراطية هي الحل.

المصدر - عن Deutsche Welle
2018-02-15 2018-02-15

عذراً التعليقات مغلقة

عذراً التعليقات مغلقة

بريف أنفو