المخلوع يحدث نفسه!

بلال فضل

أريد أن يأتيني الموت الآن. لا، لا، أريد أن أسمع أولاً «فين أيامك»، وهي تنبعث من مسيرة مليونية حاشدة. مما ينقلونه لي هذه الأيام يبدو أنني يمكن أن أسمعها قريباً، من يدري، أملي في الله كبير، طلبتها من ربنا كثيراً، وربنا العالم أنني أحتاج أن أسمعها بشدة، لا أريد شيئاً بعدها، أريد أن أموت بعد سماعها مباشرة، وأنا أشعر بالرضا لأن أحداً عرف قيمتي وأنا حي، لا أريد أن يعرف الناس قيمتي وأنا ميت، لا أريد أن يتذكرني التاريخ، يافرحتي بالتاريخ، منذ البداية كنت صادقاً مع نفسي عندما أدركت أن التاريخ لا قيمة له، ما الذي فعله التاريخ لعبد الناصر وهو الذي كان يفكر فيه كل لحظة؟ هل مد التاريخ يوماً واحداً في عمر السادات؟ عندما يأتي التاريخ لن أكون حياً، أما أولادي وأحفادي فقد تركت لهم ما يجعلهم يتحملون كل ما سيقوله التاريخ.

عندما قلت لهم أنني أريد أن أختم حياتي في هذه البلاد، لم أكن أعني أن يحبسوني في هذا الجناح الكئيب الذي يحسدني الحمقى عليه، يلومونني لأنني أرفض النزول من السرير، يا أولاد الكلب، هل هناك بحر لأمشي على شطه، وأشم هواء يرد الروح، بعيدا عن هواء التكييف الذي جاب لي المرض؟ بماذا سيفيدني أكلكم الفاخر وإبتساماتكم الصفراء الغارقة في المجاملة والتزلف؟ بماذا ستنفعني طمأنتكم لي عمال على بطال؟ أنا أريد أن أخرج، أريد أن أستمتع بخير شرم الشيخ التي صنعتها على عيني، وقضيت فيها أحلى أيامي، واتخذت فيها أصعب قراراتي المصيرية، وعندما كنت أفكر في أن أتقاعد فيها، لم يكن يخطر ببالي أن تكون هذه هي النهاية.

هل هذه هي النهاية؟ يقولون تمتع بالسيئ فالقادم أسوأ، ما هو القادم وهل سيكون أسوأ حقا؟ كل يوم أًصحو من نومي على كابوس أرى فيه رئيساً منتخباً يقرر أن يقدمني قربانا للشعب لكي يرضى عنه، أو ربما لكي يخلده التاريخ إذا كان بسلامته من هواة التاريخ، عندها سيخرجونني من هنا إلى السجن مباشرة، لكي يصفق الغوغاء طربا وهم يرونني ذاهباً إلى المحكمة بملابس السجن، هل هي بيضاء أم زرقاء، المهم ألا تكون حمراء، الملاعين سيبتهلون إلى الله أن تأتي اللحظة التي أفقد أعصابي فيها وأنفجر على الهواء مباشرة وأصرخ فيهم: «ياولاد الكلب.. أنا عملت لكو إيه.. إنتو مش عارفين أنا مين». لا، لن تأتي هذه اللحظة أبدا، لن يكون هناك إنتخابات يأتي فيها من يتنططون ويظهرون احترامهم لشعارات الحرية والعدالة الاجتماعية على قفايا، هل أتوضأ وأصلي ركعتين قضاء الحاجة سائلا الله أن تدوم هذه الفترة إلى الأبد؟ ولم لا؟ أليس ما أنا فيه قضاء أخف من القضاء الذي يمكن أن يأتيني؟ فليدم إذن إلى الأبد.

عندما نقلوني إلى هنا انفجرت فيهم غاضباً، وقلت لهم كل ما فيه النصيب، وذكرتهم بأفضالي عليهم، ولم يجرؤ أحد فيهم أن يواجهني، بل أرسلوا إليّ من يقول لي: «معلهش يافندم.. في ضغط شعبي»، كان ينقصني أن يقولوا لي: «إحنا بنعمل كده لمصلحتك»، البعض يقولون لي أن فيهم الخير لأنهم لم يرضوا لي بالبهدلة، ما هو المفروض أن أفعله الآن؟ أن أرسل إليهم خطاب شكر لأنهم اختاروا لي الحد الأدنى من البهدلة، أعرف أنني سأترحم على هذه الأيام عندما يأتي من يفرحون بأن الشعب اختارهم، وسيكون واجباً عليهم أن يثبتوا للشعب أنهم جدعان ولا تأخذهم في الحق لومة لائم، حتى الذين كانوا عبيــداً لإحساني، وكانوا يرتعشون عندما يرون تكشــــيرة تتشــكــل فوق جبيني، لن يجدوا فرصة أفضل مني ومن عائلتي لكي يغسلوا تاريخهم ويتقربوا إلى الشعب.

الشعب، تلك الكلمة القميئة التي لم أفهمها أبدا، عندما جئت إلى هنا قالوا لي أن الشعب لن يقبل لي بالإهانة، ثم اتضح أنه يرى أن كل ما أتعرض له من إهانات ليست كافية، كيف يمكن أن يكون الناس بهذا القدر من الجفاء ونكران الجميل؟ كل يوم والثاني يقولون لي أن هناك مسيرات مليونية حاشدة ستخرج إلى الشوارع لكي تنتصر لي وتنصفني، أنتظر بشغف ثم يخيب أملي وأشعر بإهانة وأنا أسألهم عن أعداد الذين خرجوا، فيرتبكون ويكذبون ويتعللون بالحر والإشاعات والإعلام ويطمئنونني بأنني قريبا سأسمع أخبار كويسة، ويغضبون عندما أقول لهم «إمتى بعد ما أموت؟».

ما الذي كان سيحدث لو كنت قد رفضت أن أصبح نائباً للسادات؟ وطلبت بدلاً من ذلك أن يتحقق لي حلم حياتي بأن أكون سفيرا في لندن، آه، ياسلام، وبعد أن أخرج على المعاش أذهب إلى نادي الضباط وأسأل بشغف هل سيقدمون «ستيك» اليوم على الغداء؟ وأنظر بحسد إلى زملائي الذين لعبوها سياسة وأصبحوا مليونيرات، لا، أنا لم أخطئ، بالعكس أنا تصرفت صح، لكنني لم أقفلها صح، كان ينبغي أن أعرف متى أتوقف، لو كنت تركتها لهم من سنة، كنت سأتحول إلى بطل قومي وكان اسمي سيظل خالداً في المدارس، على واجهاتها وبداخل كتبها، لكنني لم أعرف متى أتوقف، خفت أن يقلب أحد في سيرتي ويفتح ملفاتي، ويا ليتني ما خفت، ليتني ما اعتمدت على الأمريكان، كان لابد أن أتذكر أنهم يبيعون أبوهم وقت اللزوم، نسوا كل ما فعلته من أجلهم، أصبحوا الآن يبررون دعمهم لي بأنه كان يوافق المصلحة العليا لهم، طيب، ليروني من سيحقق لهم مصالحهم العليا الآن عندما تتحول البلاد إلى خرابة، أريد أن أرى وجوههم عندما تذاع نتائج الإنتخابات التي سيختار فيها هذا الشعب الجاهل الناس الغلط، ساعتها فقط سيترحمون على أيامي، لكن لا، ملعون أبو الإنتخابات حتى لو كانت ستحرق قلب الأمريكان، المهم ألا يأتي أحد ليخرجني من هنا ويذهب بي إلى السجن، أريد أن تستمر هذه الأيام اللعينة إلى الأبد، لا أريد أن أنزل من السرير، إلا إلى كرسي الحكم ثانية.

هل أخطأت لأنني لم أسافر إلى الخارج مع حسين؟ لا، أنا تصرفت وفقا لما كان مقررا له أن يتم، هل كنت أعلم الغيب، لو كنت أعلم أن المسألة ستصل إلى هذا الحد من الإهانة وقلة القيمة، لكنت قد تركتها لهم يولعوا بيها، لا، لم أكن سأتركها أبداً، أنا أحب هذه البلاد، أحبها بطريقة لن يفهموها أبدا، نعم أحبها وأريد أن أموت فيــها، لكــنــني لا أريد أن أموت الآن، أريد أن أسمع أهلها أولا وهم يهتفون «فين أيامك».

(نشرت هذه السطور لأول مرة بتاريخ 20 يوليو 2011 في جريدة «التحرير» المصرية، في مقال حمل عنوان (تحت سماء شرم)، لكنها كبقية مقالاتي هناك، لم تعد متاحة على الإنترنت، بعد أن قام مؤسس الجريدة ورئيس تحريرها الأستاذ إبراهيم عيسى ببيع حصته فيها لمستثمر جديد، ليختفي بعدها أرشيف الجريدة، لأسباب لم يتم إعلانها، لكني أرجح أن وراءها رغبة الأستاذ إبراهيم في إخفاء عدد من المقالات التي كتبها، أو تعقيد مهمة الوصول إليها، وبالأخص ذلك المقال الذي كتبه بعنوان (أقوالي)، ونشر فيه نص الأقوال التي أدلى بها أمام النائب العام في ربيع 2011، والتي شهد فيها على قيام الشرطة بقتل المتظاهرين في أيام الثورة، وهو ما عاد وتطوع بمناقضته بعد ذلك، في شهادته أمام المحكمة التي مثل أمامها مبارك، متناسياً شهادته السابقة أمام النائب العام والتي أقسم قبلها ألا يقول إلا الحق، وللأسف كانت شهادته النافية لقتل الشرطة للمتظاهرين، السبب السادس في حيثيات البراءة، طبقاً للحكم المشين الذي أثق أنه سيتم نقضه حتماً في المستقبل، وسيتم إعادة محاكمة كل من شارك في قتل المتظاهرين والمدنيين في عصر مبارك وما تلاه، بل ومحاكمة كل من شارك في تبرئة القتلة، وليس هذا نابعاً من تفاؤل مفرط، بل معتمداً على قراءة لما جرى في تاريخ دول كثيرة حكمتها الآلة القمعية العسكرية بشكل أقسى وأنكى مما عاشته مصر.

يبقى أن هذا التخيل لمشاعر المخلوع مبارك في الشهور الأولى من الثورة، أصبح بعد ذلك نواة لعمل مطول، أتخيل فيه مشاعر مبارك منذ خلعه وحتى تبرئته التي ساهم فيها من خلعوه وبعض من عارضوه، وأتمنى أن يكون ذلك العمل مساهمة متواضعة في فهم ما جرى منذ أن فارقنا حدود الحادي عشر من فبراير، والتي ضاعت فرص كثيرة للعودة إليها، ولم يعد مطلوباً منا أن نعود إليها، بل أن نتجاوزها ونفك أسرنا منها، ونبحث عن تأسيس جديد لمستقبل مختلف، وهو ما لن يكون سهلاً، لكن سواه لن يكون ممكناً على الإطلاق، أو هكذا أظن).

المصدر - عن القدس العربي
كلمات دليلية ،
2018-02-11 2018-02-11

عذراً التعليقات مغلقة

عذراً التعليقات مغلقة

بريف أنفو