الشباب عطرٌ ونحن آنية قديمة

آخر تحديث : الخميس 8 فبراير 2018 - 12:53 صباحًا
عبد خال

نعم، إن أي فعل اجتماعي لم نألف عليه سوف يكون مدعاة للاستنكار، وربما تطير ألباب الكثيرين من شدة الاستغراب، ولأننا نعيش صدمة اجتماعية سوف تحدث اعتراضات غامقة اللون تسعى إلى اعتبار ما يحدث نكوصا يستوجب التحذير من وقوع البلاء، وهذه النوعية لا يمكن الدخول معها في مجادلة كون كل الأمور التي تتحرك في العالم ما هي إلا فتنة يجب أن نخلص مجتمعنا من الوقوع فيها وهؤلاء ينسون أو يتناسون أن العالم أجمع اقتعد غرفة واحدة والكل يمارس الأفعال المشتركة ونحن لسنا في كوكب منعزل، سواء حدث منع الناس من محاكاة ما يحدث على وجه البسيطة أو أجزنا ذلك، فما هو كائن هناك سوف يكون كائنا هنا، وإذا تم المنع فإنه سوف يحدث رغما عنا ورغما عن أساليب المنع التي سوف يتم انتهاجها لكبح ومنع الناس من المحاكاة أو التقليد أو الإتيان بما لم يأت به، والخير أن تفتح الأبواب والنوافذ لكي يعيش الناس حياة فيها الاختيار الشخصي مقدما على ما كنا عليه من منع وتعطيل؛ ولأن كثيرا من الممارسات الاجتماعية نعتبر أنفسنا حديثي عهد بها فسوف نعتبر ما يحدث خروجا عن الجادة بينما عشرات التصرفات التي سمح بها متواجدة في كل مجتمع إسلامي ولا حرج من فعلها؛ لأن تلك المجتمعات تدرجت في حياتها الاجتماعية وأصبحت السلوكيات شأناً خاصاً ما لم يجترح الفرد نصا شرعيا أو تشريعا قانونيا..

ولأننا ظللنا لعقود نعيش وفق المحرم والممنوع يصبح أي فعل اجتماعي طبيعي مستنكرا ويستحق رفع الصوت لإيقافه، ولأن الساعة لا تدور للخلف لن يجدي أي منع من إيقاف عجلة الحياة..

نعم، سوف تحدث اختراقات لكن لا يمكن منع تدفق الحياة بسبب تلك الاختراقات الفردية بل يمكن توجيهها وترشيدها بل ومحاسبتها بما يؤدي إلى إحداث التدرج والقبول الاجتماعي، أما المطالبة بإنزال أشد العقوبة على من أحدث فعلا لا يعد جنحة أو جناية فهذا تطرف لا يؤدي إلا إلى تطرف مقابل.. وأكثر ضررا.

ودائما ما أقول إننا نحمل عطرا في آنية قديمة.

وهو الأمر نفسه عندما تريد إحداث تقدم اجتماعي بأفكار ماضوية، ولأن لكل زمان أدواته الخاصة يصبح من المحال التحرك بمكنة قديمة لا تقوى على تسيير حمولتها الحديثة، وأغلب المسيرين للحياة الاجتماعية هم فوق الـ40 من أعمارهم، أي أنهم ضيوف على المستقبل وأناسه وهم جيل الشباب الأكثر تعدادا والأكثر تواصلا مع العالم والأكثر ضيقا بما كان حادثا من حياة اجتماعية معممة بالمنع في العديد من الممارسات الحياتية التي يعيش بها بقية العالم.. هؤلاء الشباب هم العطر الجديد وما نحن إلا آنية قديمة.. والواجب أن يتفهم الجيل (العجوز) أنهم ضيوف ولا يحق لهم تسيير مضيفيهم وفق رغباتهم وحياتهم العتيقة التي عاشوا بها!

آخر سطر:

الحياة بسيطة جداً وتغدو ثقيلة غليظة متجهمة إذا وضعنا على كاهلها كل الممنوعات التي لم ينزل بها من سلطان.

المصدر - عن صحيفة عكاظ
كلمات دليلية
2018-02-08 2018-02-08
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

بريف أنفو