معارض مزيفة

تغريد الطاسان

في وقتنا الحاضر تعددت الأنشطة وكثرت الفعاليات المختلفة، وأصبح الكل يبحث عن طرق ابتكارية لتقديم منتجه، أو لتمرير أفكار مؤسسته، أو الدعوة إلى قيمة معينة، أو الفرح بمنتج، أو إقامة فعالية لأجل المنافسة وعرض الإبداعات لمختلف الفئات.

ومع الجرعة الجديدة في عالم الترفيه، وجدنا كثيراً من المناسبات والمعارض يزدحم بها جدولنا اليومي، بل أصبحنا نجد أكثر من فعالية في اليوم الواحد، وندخل في حيرة؛ أين نذهب؟ ومن يستحق أن نذهب إليه؟ وهذا في حد ذاته إنجاز، بعد أن كنا في فترة مضت، نعيش محدودية أنشطة، وإن وجدناها فلا نجد فيها ما يلفت النظر والحماسة لحضورها والتفاعل معها.

أخيراً برزت بكثافة، فكرة تنظيم المعارض و الـ«ايفنتات» بطرق مختلفة، منها ما هو مبهر ومنها ما هو عادي، ولكن الملاحظ على هذه المعارض والمناسبات، أنها ما تزال رهينة عشوائية التنظيم المتكرر كل حين، مع طغيان الهدف المادي والتسويقي على روح الفعالية، على حساب الجوانب الأخرى التي تعتبر بالأهمية نفسها. ومما يزعج أيضاً أن الترويج لبعض الفعاليات يتم من خلال مشاهير لا ينتمون إلى فلسفة المعرض ولا يليق أن نجعلهم يتصدرون المشهد فيه، فليس من المعقول أن أذهب لزيارة معرض ثقافي، وأجد الكل يلحق وراء «فاشنستا» أو مشهور «سوشل ميديا» لا يعرف من الثقافة إلا اسمها، وينسون أهل الدار ممن أفنى عمره وقلمه في كتابة ورأي! وليس من المقبول أن أذهب إلى معرض طبي، أبحث فيه عن خلاصة خبرة وعمق تجربة أطباء قضوا عمرهم بين قاعات درس وغرف جراحات ومختبرات بحث، وأجد أن الاحتفاء والشهرة لهم تتم من طريقة قلة لم يفعلوا شيئاً إلا مزيداً من الابتذال، الذي اشتهروا من خلاله وتكوّن لهم متابعون بالملايين، فأصبحوا هم من يدعون ويبحث عنهم ويغرون بالمال والهدايا.

لذلك، يؤلمني جداً أن من يؤلف كتاباً ويتعب عليه لا يجد قارئاً يحتفي به، ولا يجد ناشراً يمنحه حقه، وفي المقابل يتم دفع مبالغ بعشرات الألوف لأجل زيارة ممثلة أو عارضة لجناح مدة لا تتجاوز نصف الساعة.

وكم أتحسر على وضع فرقنا التطوعية في كثير من هذه الفعاليات، واستغلالهم من المنظمين وهضم حقوقهم واستغلال حاجاتهم، من دون أن تصدق وعودهم معهم المرة تلو المرة، وللأسف ما زال وضع المتطوعين في الفعاليات محل تساؤل، وتلك حكاية أخرى ليس الآن مجال سردها.

هذا التناقض والتباين في تعاملنا مع النخبة سيجعل ميزان النظر عند كثيرين يختل، وبخاصة عند الجيل الجديد، فهو حينها سيبحث عن طريق شهرة سريع، على حساب دروب علم ومعرفة وتفانٍ في العمل.

ليس حديثي هذا معناه أن كل فعالية تقام تكون بهذا السواد كله، ولكن لا بد من الحد من انتشارها، والسماح للفكرة والمعرض الجيد بالبروز ونيله الصدارة في كل شيء، وهذا ما نلمسه في الفعاليات التي تقيمها مؤسسة «مسك» الخيرية، بحيث يقترن الفكر الخلّاق بالأداء المميز، وينال المبدع ما يستحق من حفاوة، ويجد الجيل الجديد فرصة ليبدع ويتطور ويصنع المستحيل، ليصل إلى المنصة من خلال جهد وتفانٍ في الفكرة والتنفيذ.

ما تفعله «مسك» من حراك ثقافي وتنموي في مجتمعنا يجعلنا في لهفة على حضور كل فعالياتها، لأننا نضمن حينها أن سنخرج بكنوز عدة. نموذج «مسك» وفعالياتها يجعلنا نطالب بأن لا بد أن تتطور ثقافة المعارض عندنا، ولا بد ألا نسمح لها بصنع واقع لا نرضاه لمجتمعنا، وفي المقابل لا بد من جهة إشرافية تقوم على فرز هذه المعارض وإيقاف تجاوزاتها، والتأكد من صدقيتها مع العملاء والزوار، والخروج بفعالية تليق بنا، فكرة ومضموناً وعرضاً وأسلوباً.

المصدر - عن الحياة
كلمات دليلية
2018-02-07 2018-02-07

عذراً التعليقات مغلقة

عذراً التعليقات مغلقة

بريف أنفو