لماذا يصدق المصريون هذه الأكاذيب..؟

آخر تحديث : الأحد 4 فبراير 2018 - 12:19 صباحًا
علاء الأسواني

هل يعلم المصريون أن السيسي فشل في إدارة أزمة سد النهضة مع أثيوبيا مما قد يؤدى إلى فقدان مصر لجزء كبير من حصتها المائية ؟ في نفس الوقت يؤكد الاعلام المصري أن الازمة مع أثيوبيا قد انتهت على ما يرام. هل يعلم المصريون أن مشروع قناة السويس الذي أنفق عليه السيسي 64 مليار جنيه لم يحقق أي زيادة في ايرادات القناة؟ بينما يؤكد الاعلام أن هذا المشروع قد أبهر الدنيا بعظمته ونجاحه.

هل يعلم المصريون أن آلاف الشباب المحبوسين لم يرتكبوا جريمة الا معارضتهم سلميا للسيسي؟ بينما يردد الاعلام بأنهم عملاء وخونة.. هل يعلم المصريون أن المستشار هشام جنينه قد تعرض لمحاولة اغتيال همجية بواسطة مجموعة بلطجية عقابا له أولا على تصديه للفساد عندما كان رئيسا للجهاز المركزى للمحاسبات وثانيا بسبب اشتراكه في الحملة الرئاسية للفريق سامي عنان المحبوس حاليا؟ بينما يؤكد الاعلام أن ماحدث للمستشار جنينه مجرد حادث سيارة ومشاجرة عادية. اذا طرحنا المزيد من الأسئلة سنكتشف أن كل حقيقة تحدث في مصر تقابلها أكذوبة كبرى يروج لها النظام. لماذا يصدق مصريون كثيرون هذه الاكاذيب؟!. الإجابة الجاهزة.

أن النظام يسيطر تماما على كل وسائل الاعلام وبالتالي يستعملها من أجل توجيه الرأي العام وفقا لأهدافه. هذا المنطق صحيح لكنه ناقص لأنه يفترض أن المواطن الذي يصدق الاعلام فاقد الارادة تماما بحيث يتم غسيل دماغه بالأكاذيب رغما عنه. أن أبسط مواطن مصري يتحرى الحقيقة في أي نشاط يمارسه خلال حياته اليومية.

أن المواطن الذى يشتري سيارة أو شقة يبذل مجهودا كبيرا في السؤال والتحري ليتأكد أن البائع لا يخدعه فلماذا ينخدع نفس المواطن بأكاذيب الاعلام على فجاجتها؟.ربما لأنه لم يتعود على الاهتمام بالعمل العام أو لأنه يجد راحة ما في أن يكون مثل الآخرين، في أن يظل وسط التيار العام في المجتمع ولا ينفرد بموقف قد يجعله منبوذا أو يسبب له متاعب هو في غنى عنها..

عندما يؤكد الاعلام أن مشروع قناة السويس قد حقق نجاحا ساحقا، اذا صدَّق المواطن هذه الكذبة سيحسُّ براحة وينسى الأمر ويتركه لتصرِّف الرئيس ثم يتفرغ لمعركته الأهم وهي الكفاح من أجل الرزق وتربية العيال.  اذا رفض ما يقال في الاعلام فسيكون عليه أن يجد الحقيقة بنفسه. يجب عليه عندئذ أن يراجع بنفسه ايرادات قناة السويس قبل وبعد المشروع ثم يعلن رأيه ويتخذ موقفا معارضا للسلطة قد يكلفه ثمنا باهظا.

هذا المواطن الذى يحسُّ براحة عندما يصدق أكاذيب السلطة يعاني من ذهن تابع عاجز عن التفكير المستقل، هذا الخلل نجم عن عقود من الاستبداد وانحطاط التعليم وتجريف الحياة السياسية مما يدفع قطاعا من المصريين لإلغاء عقولهم حتى يكونوا مثل الآخرين أو يتخذوا الموقف الذي يعتبره النظام صحيحا ووطنيا حتى لو كان مبنيا على أكاذيب..مقابل هذا الذهن التابع يعاني بعض المصريين من الذهن المتعصب.

مئات الآلاف من أتباع الاسلام السياسي ينطلقون جميعا من تصور ثابت مطلق للعالم ويحاولون عبثا اخضاع الواقع لتصورهم المقدس بدلا من فهمه بطريقة موضوعية. انهم يؤمنون أن الاسلام في حالة حرب جهادية مقدسة ضد العالم بأسره ستنتهي بالطبع بانتصار الاسلام واخضاعه لشعوب الدنيا واستعادة الخلافة الاسلامية (التي لم تحدث قط في التاريخ).

ان الأفكار السياسية سرعان ما تكتسب قداسة الدين عند الاسلاميين وبالتالي يستحيل عليهم القبول بحقيقة أن الاسلام لم يقدم نموذجا للدولة وأن النظرية الاسلامية في الحكم ليست الا وهما من الناحية التاريخية. لا زال الإخوان المسلمون يعتبرون إزاحتهم من السلطة في مصر مؤامرة كونية ضد الاسلام اشترك فيها الجميع: أمريكا واسرائيل والدول الغربية والليبراليون واليساريون. لا يتذكر الإخوان أبدا خياناتهم للثورة وتواطئهم مع المجلس العسكري مقابل وصولهم للسلطة لايتذكرون انهم كانوا يشترون أصوات الناخبين الفقراء بحقائب الزيت والسكر، لا يتذكرون أن الرئيس الإخواني أصدر اعلانا دستوريا ألغى به القانون ووضع قراراته الرئاسية مكان القانون مما يفرغ الديمقراطية من مضمونها.. لايتقبل الإخوان حقيقة أن ملايين المصريين قد رفضوا حكمهم وتظاهروا مطالبين  بانتخابات رئاسية مبكرة.

يستحيل على ذهن الإسلامي المتعصب أن يعترف بذلك لأنه يدافع عن قرارات مرشد الإخوان بنفس التعصب الذي يدافع به المتدين عن ثوابت العقيدة. ما بين الذهن التابع والذهن المتعصب نعاني نحن المصريون من مشكلة حقيقية في التفكير تمنعنا من التقدم. كل من يحب هذا الشعب يجب أن يواجهه بعيوبه لأن تشخيص المرض أول خطوة في العلاج. هل يعني ذلك أن المصريين جميعا عاجزون عن التفكير السليم ..؟ بالطبع هناك ملايين المصريين يتمتعون بوعي وعقلية نقدية مما يمكنهم من فهم الواقع على نحو صحيح..هؤلاء هم الذين صنعوا ثورة يناير العظيمة  وهم لازالوا مخلصين لمبادئها. الثوريون لا يشكلون أغلبية المصريين لكنهم يحملون الوعي اللازم لاحداث النهضة.

إن الواقع المؤلم البائس الذى يعيشه المصريون هم أول المسؤولين عنه. إن طريقتنا في التفكير التابعة أو المتعصبة هي السبب الأول في اذعاننا للإستبداد لعقود طويلة وهي ما جعلتنا نضيع الفرصة التي قدمتها لنا الثورة التي ضحى من أجلها آلاف الشباب من أنبل من أنجبت مصر. لن تتحرر مصر من الاستبداد قبل أن تتحرر عقولنا من التبعية والتعصب.عندئذ فقط لن يصدق المصريون أكاذيب النظام وسيصنعون المستقبل الجدير بهم.

المصدر - عن Deutsche Welle
كلمات دليلية
2018-02-04
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

بريف أنفو