جاك بيرك : لقد فقد المغرب في المهدي بن بركة وطنيا كبيرا

جاك بيرك : لقد فقد المغرب في المهدي بن بركة وطنيا كبيرا

بمناسبة الذكرى الخمسين لاختطاف المهدي بن بركة نعيد نشر هذا النص الذي كتبه جاك بيرك في سيتينيات القرن الماضي.

تعرفت على المهدي بن بركة منذ حوالي ربع قرن، و بالضبط سنة 1943 عندما نظمنا بتعاون بيننا للطلبة المغاربة الحاصلين على الباكالوريا جولة داخل بلدهم و كان هدفنا اكتشافه أكثر من قبلهم، و قد مثلت هذه التجربة لهم فرصة ذات أهمية قصوى.

لقد كانت هذه الجولة بداية لعلاقة صداقة جمعتني بالمهدي بن بركة لم تنقطع أبدا.

كان المهدي بن بركة ضليعا في الرياضيات بصورة فريدة، جعلت مدير المعهد العلمي الشريف يرى فيه واحدا من العبقريات و الطاقات الخارقة التي صادفها في حياته.

و ينحدر المهدي بن بركة من عائلة فقيرة، و قد حكى لي ينفسه كيف أنه في طفولته كان مضطرا للجلوس في درج سلم المنزل لإنجاز واجباته الدراسية، تحت نور شمعة. و قد كان وفيا للثقافة الفرنسية.

و إذا كان البعض لا يرى في تحرر الشعوب المستعمرة إلا تمردا ضد الدولة المستعمرة، فإني أرى استنادا إلى مثال المهدي بن بركة، الذي وجب أن نتعمق في دراسته أنه كان وفيا في ذلك التمرد. فقد كان هذا المكافح يمثل جناح الثقافة الفرنسية في المغرب، غير أن هذا الجناح كان يصطدم بمجموعة من المعيقات و الصعوبات و المتمثلة في سوء الفهم لهذه الثقافة، و قد كان بعض الأصدقاء يجدون أن إمكانية تطور هذه الثقافة بالمغرب و ضمانها لمستقبل فرنسي-مغربي يمر قطعا بالانفصال عن فرنسا.

التقيت بالمهدي بن بركة من جديد في باريس، بمناسبة المفاوضات التي قادت إلى استقلال المغرب، و التقيته أيضا عندما تلقيت دعوة لزيارة المغرب. و كان يلح علي باستمرار بأسئلة حول الواقع التاريخي و الاجتماعي للمغرب، و مثل أصدقائه، كان يستمع و يرفض كل النواحي السلبية التي فرضتها الإمبريالية، كي يستخلص النواحي الإيجابية لفرنسا، و لكونه مخلصا في اعتقاده، فقد أخذ يبحث عن فرنسا في مجال العلوم و الثقافة.

و لم يخفى عليه في ذلك الوقت أن المغرب لم يختر طريقا مدروسة دراسة منطقية في مسار إعادة بناءه. و كانت إحدى البعثات الاستشارية التي قادتني إلى الرباط في إطار تأسيس معهد للعلوم الاجتماعية، قد أتاحت لي فرصا للقاء بالمهدي أكثر من مرة، و استمرت تلك الحال في كل سنة، و قد كان يشارك في إحدى حلقات الدراسات العليا، و تعاونا معا كذلك في نشر جزء من تلك الدراسات.

المهدي بنبركة

و قد فقد بن بركة منصبه كرئيس للمجلس الوطني الاستشاري في ظروف أفضل عدم الخوض فيها. و تمنيت في بعض الأوقات أن يستعيد بريقه و مكانته العلمية و أن يتفرغ لإتمام بحثه في الدكتوراه. و كان البعض من زملائي من بين كبار أساتذة العلوم يهتمون به كثيرا. لقد كان بإمكانه أن يصبح أحد الباحثين بمعهدنا الوطني للبحث العلمي، لو لم تطلبه واجبات خارجية جعلته يزداد انشغالا.

هنا تظهر سمة أخرى في شخصيته، إذ كان متشبثا باستقلاليته و هو الشيء الذي كان يرفضه التعليم الفرنسي. و بما أنه كان يرى أن هذه الاستقلالية يجب أن تكون نوعا ما ضد الرأسمالية الاستعمارية السالفة و أن تتعارض مع بعض القضايا الفرنسية المغربية من جهة، و من جهة أخرى تتعارض مع بعض قضايا ماضي المغرب، فقد جعل منه ذلك رجلا ثوريا، كما كان يمثل ما يسمى بالوطنية – و هي سلاح ذو حدين – بشكل يجعله يتصور الأمة الوطنية الحديثة بمثابة نافذة تطل على طريق العالمية. و منذ ذلك الحين تخطى حدود إطار الدولة الواحدة.

كان بن بركة يقرأ كل ما جد في العلوم الاجتماعية، و كل الكتب التي تهم دول العالم الثالث، و كان يتعمق شيئا فشيئا في إيديولوجية تصفية الاستعمار و التخلص من التخلف. لقد أصبح مكافحا و مفكرا للعالم الثالث، و كان يدرك أن الاستقلال الثوري و النزعة القومية التي يتمسك بها سوف تكون بدون مضمون و لت تصبح سوى شعارات و تلميحات، إذ لم يكن بن بركة يجب التلميح و الشعارات الثورية، و لذلك فقد كان دائب النشاط الفكري كثير السفر إلى البلدان العربية، و كان رجالها يتحدثون عنه كثيرا، و كذلك إلى البلدان الإفريقية و الآسيوية، لقد اتخذ لنفسه تلك النزعة التحليلية التي نصفها بالديكارتية ثم وفق بينها و بين الثقافة المغربية فخلق نوعية ثقافة مغربية عميقة و واضحة.

و آخر مرة التقيته فيها، كانت بدولة مصر في العشرين من مايو 1965 في نفس اليوم الذي تلقينا فيه خبر سقوط نظام بنبلة. تناولنا وجبة العشاء و قبل أن نفترق وجهت له دعوة – كما كنت أفعل دائما – للمشاركة في إحدى ملتقياتي العلمية، فكان جوابه: “أنت تعلم جيدا كم أنا مهدد”، تعانقنا ثم افترقنا.

لقد فقد المغرب في المهدي بن بركة وطنيا كبيرا، كما فقد فيه العالم الثالث رجلا سياسيا أو رجل دولة، و فقدت فيه فرنسا صديقا، فيما فقدت فيه أنا رفيقا.

*نشر هذا النص في مجلة أمل عدد 45 سنة 2015

تفاعل مع المقال

تابعنا على فيسبوك
يحدث الآن
مواقيت الصلاة