عبد الله العروي يحاور نفسه حول الوطنية

عبد الله العروي يحاور نفسه حول الوطنية

انفردت مجلة زمان المغربية، و هي المختصة بالتاريخ، في عددها لشهر دجنبر، بنشر مقتطفات من كتاب مقبل للمفكر المغربي الكبير عبد الله العروي بعنوان “استبانة..”. هذا المؤلف، كما جاء في المقدمة التي صاحبت المجلة بها المقتطفات، يأتي على شكل سؤال جواب، و هذه المرة على عكس المؤلفات السابقة سواء السنة و الإصلاح أو من ديوان السياسة، يسائل عبد الله العروي نفسه، أو كما جاء في المقدمة آنفة الذكر: “يسائل العروي المواطن العروي الباحث و المفكر” حول مسائل الوطنية و المواطنة.

فيما يلي مقتطفات من كتاب عبد الله العروي كما جاءت في مجلة زمان:

  • هل وجد على الدوام شعب مغربي، أمة مغربية ؟

شتان بين ما نعلم و نعتقد. و الأغلبية تعتقد قبل أو دون أن تعلم. ما نعلم حين نعلم هو أن الرقعة الأرضية التي نسميها المغرب لم تكن دائما على صورة ما نرى اليوم. تكوّنت بالتدريج فصلها البحر عن الأندلس، بالتدريج فصلتها جبال الأطلس عن باقي المنطقة. ثم بالتدريج عمّرتها أقوام جاءت من شتى الجهات. حافظت في البدء على مميزاتها، فكانت قبائل، ثم تمازجت لتكوّن جماعات أوسع تتماثل أعرافا و تقاليد و بهجة، ثم خضعت بالتدريج إلى سلطة واحدة. توالت النزاعات إلى أن تمت الغلبة لفرد تحت لواحد واحد مع التطلع للتوسع المستمر. فكانت بالتالي حركة مد و جزر فيما يخص الحدود. هذه هي القاعدة، تنطبق على المغرب و على غير المغرب. هذا ما يقوله المؤرخ، لكن قول المؤرخ لا يرضي إلا المؤرخ أو من له تفكير المؤرخ. أما سواه فلا يرى شيئا وراء الحاضر (…)

  • هل تأثر المغرب دائما بحضارة الغير ؟

ظاهر السؤال استفزازي. و بالفعل طرح مرارا بهذا المعنى. قال أحدهم أن الإنسان الشمال – إفريقي هو المتخلف بامتياز في محيطه الحضاري. كان يعني أنه لم يشارك بأي قدر في تقدّم الحضارة، و لم يسبق إلى أي اختراع يرفع من قدرة أو قيمة الإنسان. التحامل واضح، إذ هذه حال أغلب سكان الأرض. الاختراعات الكبرى معدودة، تظهر في بقعة معينة ثم تنتشر و قليلا ما تتجدد في نفس المكان. من هنا أمكن الكلام عن انتقال الحضارة من الشرق إلى الغرب ثم من الغرب إلى الشرق. معظم شعوب المعمورة تلقت الحضارة من الخارج. إذا طرح السؤال بدون أية نية تبخيس فلا حرج أن يكون الجواب نعم. جاءت الحضارة إلى المغرب من الخارج، من الشرق ثم من الشمال. هذا في ما يتعلق بالتاريخ القريب. أما ما قبله فأمره مجهول كما لا يزال مجهولا أصل السكان.

  • هل هناك نفسانية مغربية ؟

يحلو لنا أن نعتقد ذلك، كما اعتقده قبلنا سكّان المغرب منذ زمن طويل. اعتقدوا أن الإنسان المغربي يختلف عموما عن المشرقي المسلم بل عن التونسي و الواسطي [الجزائري]. المغربي يعرف بالطبع أنه يختلف عن مغربي آخر، سحنة أو لهجة أو انتماءا إلى قبيلة أو زاوية، لكنه يرى، حقّا أو باطلا، أن وراء هذه الفوارق الطبيعية و القوية توجد صفة أو صفات، على مستوى معيّن من الوعي أو اللاوعي، تطبع المغربي و تميّزه عن غيره حتى و لو كان مسلما أو عربيا أو مغاربيا. ما هي تلك السمات الخاصة؟ لا أحد يعرفها بالضبط. لا إجماع إلا على نقطة واحدة و هي أنها موجودة.

أظن شخصيا أن لها علاقة باستمرارية سلطة المخزن التي هي محلية، مستقلة عن أية قوة خارجية. قلت هذا في أحد كتبي فظنّ البعض أن في هذا الكلام تمجيدا للمخزن في حين أنه ملاحظة أنثروبولوجية.

  • هل لها من سلبيات ؟

نعم لها سلبيات كثيرة، أوضحها و أكبرها ضررا للمجتمع هو التهرب من تحمّل المسؤولية و تحاشي الحسم في أية مسألة. تدل على ذلك عبارات كثيرة من خطابنا اليومي: وا خلاص… على ما حال… المهم… آش حال فيك… و بالتاويل… و هذي بسالة… الله و ما طال… و لو طارت معزة… جل عبارات التبرّم و الاحتجاج قد تؤوّل على هذا الوجه.

  • و عن الثقافة المغربية ؟

الثقافة الشعبية [الفولكلور] درسها بإسهاب الباحثون الفرنسيون مدّعين أنها وحدها تمثل ثقافة الشعب الأمّي و ما سواها فهو دخيل لا جذور له في المجتمع؛ يشيرون بذلك إلى الثقافة العربية المكتوبة. الغالب على التراث المكتوب عندنا الفقه و التصوّف، حتى في المنظوم، حتى في السير و الرحلات. يركن تراثنا إلى العقل المجرّد الجاف أكثر مما يستوحي العاطفة. حاولت في أوراق أن أن أستحضر الوضع النفساني لشاب غير مرتبط بالثقافة الشعبية بسبب يتمه و مغادرته مبكرا الخلية العائلية، و غير مطلّع على ذلك التراث المكتوب إذ التحق من البداية بالتعليم العصري الملقن باللغة الفرنسية، و كيف يكون هذا الشابّ مهيئا للتشبع بروح الرومانسية، فيكتشف قوة الذات و لا ينقذه من جبروتها سوى الانغماس في حبّ الوطن.

  • لم تكن توجد إذن ثقافة وطنية ؟

بين الفولكلور الممقوت و المؤلفات الفقهية المملّة اختزلت الممارسة الثقافية في النشاط السياسي. أصبحت الوطنية تمثل كل جوانب الثقافة، شعورا، سلوكا و تعبيرا. و استمر هذا الوضع إلى يومنا هذا. “الكل سياسة” شعار لم ينشأ من فراغ بقدر ما فرضه الوضع القائم و لا يزال يفرضه مع كل مخلفاته السلبية في الساحة الثقافية.

  • ما علاقة الثقافة الوطنية و اللغة الوطنية ؟

العلاقة غير ضرورية، نظريا على الأقل. يمكن أن تنشأ ثقافة وطنية بواسطة لغة غير أصيلة. الأمثلة على ذلك لا تحصى ماضيا و حاضرا.

لكن في مغرب الحماية كان النشاط الثقافي لا ينفصل عن السياسة. ما معنى أن نوجه رسالة وطنية إلى المحتلين حتى في حالة إتقاننا للغتهم ؟ و لم تكن لغة وطنية مكتوبة سوى العربية “المدرسية”. فكان يبدو بديهيا أن أن الثقافة المغربية العصرية، إن كتب لها أن توجد، لا يمكن أن تعبّر عن ذاتها إلا باللغة العربية أو بوسائل غير لغوية كالرسم الذي بدأ يمارسه بعض الشبّان، سيما في مدينة مراكش.

الأمثلة التي تساق في هذا الباب [إيرلندا، الهند] غير مقنعة لأن الاحتلال الإنجليزي لهذين البلدين طال إلى حدّ أن قسما كبيرا من الأهالي أصبح يتقن الإنجليزية و لا يتواصل إلا بها. فكان من الممكن، بل من اللازم مخاطبة هؤلاء بلغة المحتل لإقناعهم بمرامي الحركة الوطنية. ما يعني أن الإنجليزية أضحت بقدر ما لغة وطنية. و هذا ما نلاحظه اليوم في ثقافة البلدين. لم يكن هذا هو وضع المغرب آنذاك.

هل هو وضع المغرب اليوم؟ هذه مسألة أخرى.

  • قيل أن المغرب يشكّل استثناءا في العالم الإسلامي، إذ وحده يستحق أن ينعت بأنه دولة وطنية. ما رأيك ؟

هذه مقولة فرنسية تنمّ عن أمنية لم تتحقق في نهاية المطاف و تصحّ فقط إذا اقتصرنا على المحيط القريب. المغرب دولة وطنية في نظر الفرنسيين لأن القطر أمازيغي الهوية إسلامي في المظهر، عكس إذن ما كان يقوله الوطنيون الذين يشدّدون أيضا على خصوصية المغرب و لكن بمعنى مختلف. أما خارج هذا المحيط الضيق فإننا نجد أمثلة كثيرة شبيهة بحال المغرب. ما يميّز المغرب أساسا هو صعوبة المواصلات مع الجار الشرقي و سهولتها مع الجنوب.

هذا المعطى الجغرافي هو الذي عمل على عزلة المغرب و إبعاده عن الإيالة العثمانية. لولا الفترة السعدية و ما ورثت عنها الأسرة العلوية لكان وضع المغرب مماثلا لحال باقي شمال إفريقيا. لكن الفترة السعدية باختيارها مراكش عاصمة لها، باهتمامها بالعلاقات العمودية شمال – جنوب، على حساب العلاقات الأفقية غرب – شرق، هذا الأمر هو الذي أدّى إلى مغربة التاريخ السابق و جعله فترة تمهيدية، سيما تاريخ الموحدّين. صحيح أنّ نفس الأمر حصل في تونس لكن مع تأخر ملحوظ و تحت السيادة العثمانية، فظلت تونس متميّزة كإقليم تميّز مصر أو العراق.

يجب أن نلاحظ فوق هذا أن الموقف السعدي هو بالضبط موقف قشتالة بالنظر إلى مجموع أسبانيا أو ملك باريس بالنسبة لباقي فرنسا، أي أن الدولة الوطنية بناء أو مكسب أكثر منها إرث، نتيجة مخطّط يقوم بتجسيده رجل أو رجال مروّجين حججا أحيانا قوية و أحيانا واهية. ارتكب المحللون الأجانب خطئا منطقيا، بسبب أطماعهم التوسعية، سجلوا المخطّط و أهملوا المخطِط. قالوا إن المغرب يتميّز بسمات دولة وطنية، و في نفس الوقت ادّعوا أن المخزن، و هو المخطِط، شبح أو أسطورة أو خرافة.

لم يرتكب الوطنيون هذا الخطأ و ما كان لهم أن يرتكبوه، فانتصروا رغم عددهم القليل و حنكتهم المحدودة و استعدادهم الهزيل.

  • هل يحافظ المغرب على ميزته هذه ؟

لو كنت شيخا هرما حطّمت الأعوام أحلامه و داست الأحداث مطامحه لتجنب الجواب بالقول على الفور: البقاء لله. دستور المغرب المستقل منفتح على كل الاحتمالات، العربية، الأفريقية، الأوروبية، و كلها تؤدي إلى نوع من الاندماج و الذوبان. و الاحتمال يتحقّق أو لا، بل يتحقق ثم يلغى. المهم أمر آخر. كل التحليلات السابقة تعتمد بعض الفرضيات، أهمها فعالية المخزن، حتى عندما أصبح شبحا بدون أدنى سلطة فعلية يصادق آليا على ما يقرره غيره.

المخزن هيئة و نظام، له عقلية و طريقة عمل و وسائل تنفيذ معينة، كل هذا معرّض اليوم إلى الازدراء أو الرفض الصريح، إما عن جهل و إما بعد درس و تمحيص. الدولة المغربية العتيدة، إطار الوطنية المغربية و بالتالي أساس وعيها بخصوصيتها، تنفذ اليوم من الداخل. النظريات المعادية لها و التي كانت ترفض أيام الحماية بسبب أهدافها المكشوفة أو الخفية، تحظى اليوم بمصداقية لم يحلم بها أبدا مروّجوها الأوائل. تأويل التاريخ الذي اعتمده الوطنيون يفنّد اليوم علنا لا لدواعي علمية بل فقط للمعارضة و المخالفة، عملا بمبدأ خالف تعرف.

قد يقال هذه وطنية – ضد – وطنية، كما قيل يوما هذه ثورة داخل ثورة، أي وطنية الشعب ضد وطنية الحكام أو وطنية الأمّة ضد وطنية النخبة. بعبارة أخرى إننا نشاهد اليوم تحوّلا يشبه ما حدث في ثلاثينيات القرن الماضي عندما خلفت وطنية الشبان وطنية الأعيان، مما ينبئ أن الاندماج المرتقب في هيآت أوسع أو استبدال لهجة بأخرى، أو تأويل تاريخ بآخر، لن يمحي من العقول و النفوس ما أكسبه المخزن العتيد و أورثه للحركة التي جدّدت الوطن و حرّرته من تبعية الأجنبي.

و لربّما هذا هو المعنى العميق للعبارة التقليدية الله هو الباقي. على مدى أقرب قد يحتفظ المغرب بوطنيته المتميّزة، الضيّقة الأفق في عين البعض، لسبب بسيط و هو معاكسة الجيران و الإخوة له. ستستمرّ الوطنية المغربية باستمرار الوضع الذي نشأت و ترعرت فيه.

تفاعل مع المقال

تابعنا على فيسبوك
يحدث الآن
مواقيت الصلاة